عبد العزيز الدريني
95
طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب
الفصل العاشر في الرجاء الحمد للّه الذي دلت بدائع صنعته وعجائب مملكته على انفراده بالإيجاد والإنشاء ، وذلت لعظمة هيبته وقهر سطوته رقاب العظماء ، وكلّت عن حقيقة معرفته وكمال صمديته أفهام العقلاء ، وجلت صفات ربوبيته ونعوت وحدانيته فلا تحصيها بلاغة الفصحاء ، الأول بالقدم قبل ابتداء جميع الأشياء ، الآخر بالعزّ والملك والبقاء ، الظاهر بالاختراع والابتداع والقهر والكبرياء الباطن عن الإحاطة فالأفهام عاجزة عن إدراك الجلال والألسنة قاصرة عن حقيقة الثناء ، القدوس الغنى عن جميع خلقه فلم يزل غنيا قبل وجود العرش والكرسي والماء والهواء والسماء ، الواحد الأحد القيوم الصمد الحي المنزه عن مشابهة الأحياء ، العليم السميع البصير فلا يخفى عليه ما يختلج في الضمير عند تنفس الصعداء ، القادر على رد الشاردين ووصل المنقطعين وتقريب البعداء بمشيئته الضر والنفع والبلاء ، والدفع والخفض والرفع فكل يجرى على سابق القضاء المتكلم بكلام قديم أزلي جل عن التشبيه والتكييف والانتهاء قصّرت بصائر أهل التشبيه عن معرفة التنزيه فحاضوا في البدع والأهواء ، وعميت أبصار المعطلين عن الاستضاءة بنور اللّه تعالى فتاهوا في الظلماء ، فسبحان من أوضح أدلة وجوده وخص المحققين بكشف الغطاء ، وأكمل لهم المنة بما أولاهم من كريم العطاء وفتح باب جوده للقاصدين وبسط بساط الرجاء ، ومهد للمؤمنين من إحسانه مهادا وأوسع الأرجاء ، وشرح لقبول أمره والإقبال على ذكره صدور السعداء ، ووفق العاملين لخدمته ووعدهم بجزيل الجزاء فتلذذوا بمناجاته لما علموا أنه قريب سميع الدعاء .